محمد غازي عرابي
845
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة فاطر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) [ فاطر : 1 ] الملائكة الرسل الخواطر المتحكمة في القلب ، وبالتالي في العالم كله ، ولقد وصف سبحانه دور الملائكة في موضع آخر بقوله : وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [ المدّثّر : 31 ] ، فليس في جهنم من حاكم فاعل سوى الملائكة ، فالملائكة الباطن من كل عيان وتعين ، قال سبحانه : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ المدّثّر : 31 ] . وكون الملائكة مثنى وثلاث ورباع يعني أن الخواطر مقسمة إلى أربعة أقسام نفسية وشيطانية وملكية وإلهية ، وجميعها مدرجة في الاسم الإلهي القاهر ، فلئن كان الإنسان ظهور الحق يمثل اسمه الظاهر ، فإن الملائكة هم باطن الحق يمثلون اسمه الباطن ، وبطون الملائكة الإنسان سبب استتارهم ، فالملائكة موجودون ولكن لا يشاهدون ، ولا يشاهدهم إلا أرباب البصائر الذين كشف عنهم الغطاء فرأوا اللّه ظاهرا في مظاهر الوجود ، أنشد ابن عربي : فمنهم من تجسد لي بأرض * ومنهم من تجسد في الهواء ومنهم من تجسد حيث كنا * ومنهم من تجسد في السماء فهم يتصورون بكل شكل * كلون الماء من لون الإناء [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 2 ] ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 ) [ فاطر : 2 ] الرحمة نور الهداية ، وفي قبضته تعالى الهداية ، والضلال ، من شاء هدى من عباده ، ومن شاء أضل ، سبحانه يفعل في خلقه ما يريد ، ولما كانت الهداية وقفا على المشيئة لم يوجد بالتالي مجال للمعارضة . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 3 إلى 4 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 3 ) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 4 ) [ فاطر : 3 ، 4 ] قضية الخلق ليست مقصورة على الخلق المعروف حيث ذكر اللّه المخلوق بأنه لم يكن شيئا مذكورا ، ثم كان بأمره . . بل تتجاوز القضية هذا الحد إلى حدود ظاهرة وباطنة ، فالرزق خلق وتجديد الخلايا ، والمحافظة على نظام وتوازن البيئة ، والمحافظة على نظام سير الكواكب في